كيف نحمي عقولنا من التفكير الكارثي.. ونحافظ على اتزاننا النفسي في زمن الحروب

بقلم: رئيس التحرير
نكتب هذا المقال في وقتٍ تعيش فيه منطقتنا توترًا حقيقيًا وحربًا دائرة تُلقي بظلالها على البيوت قبل الحدود، وعلى القلوب قبل الجبهات، وللأسف في مثل هذه الأجواء تختلط الأخبار بالشائعات، وتتسارع الصور والمقاطع، ويصبح الهاتف مصدر قلق لا ينقطع.
كثيرون باتوا ينامون على صوت التحليلات، ويستيقظون على توقعات أسوأ السيناريوهات، حتى تحوّل القلق العام إلى خوف شخصي، وصار بعض الناس يعتقد أن الخطر سيصيبه هو تحديدًا دون غيره.
هذا المقال لا يُنكر وجود المخاطر، ولا يقلّل من خطورة الأحداث، لكنه يحاول أن يضع الأمور في إطارها النفسي الصحيح، فبين الخطر الواقعي والخوف المتخيل مساحة واسعة يصنعها العقل تحت الضغط، أردنا أن نفسر ظاهرة التفكير الكارثي التي تتفاقم في أزمنة الحروب، وأن نمنح القارئ أدوات بسيطة تعينه على حماية توازنه النفسي، حتى لا تتحول المتابعة المشروعة للأحداث إلى استنزاف داخلي دائم.
التفكير الكارثي في علم النفس هو نمط ذهني يقوم على توقع أسوأ الاحتمالات وتضخيمها حتى تبدو وكأنها حقيقة وشيكة الوقوع. لا ينطلق هذا التفكير من تحليل موضوعي للوقائع، بل من شعور داخلي بالخطر يتضخم مع القلق والتوتر.
في هذا النمط يتحول الاحتمال إلى يقين، ويصبح السيناريو الأسوأ هو النتيجة المتوقعة دائمًا. لذلك قد يسمع الشخص خبرًا عن توتر أمني فيتصور مباشرة أن الكارثة ستصل إليه شخصيًا، وأن الصاروخ القادم سيقع فوق رأسه تحديدًا، رغم أن الاحتمال الإحصائي لذلك ضعيف جدًا.
يرتبط هذا الأسلوب من التفكير غالبًا بحالات القلق المزمن مثل اضطراب القلق العام (Generalized Anxiety Disorder)، وهو قلق مستمر ومفرط يصعب التحكم فيه ويستمر لفترات طويلة دون سبب واضح، أو اضطراب الهلع (Panic Disorder)، الذي يظهر في صورة نوبات مفاجئة من خوف شديد يصاحبها تسارع ضربات القلب وضيق في التنفس وإحساس بقرب الخطر، أو اضطراب ما بعد الصدمة (Post-Traumatic Stress Disorder)، وهي حالة نفسية قد تنشأ بعد التعرض لحدث صادم، فيبقى الشخص يستعيد التجربة وكأنها تتكرر من جديد.
في مثل هذه الحالات يكون الجهاز العصبي في حالة إنذار دائم، ومع التعرض المستمر للأخبار والصور العنيفة يظل الدماغ متحفزًا وكأن الخطر وشيك، فتنشط اللوزة الدماغية، وهي جزء صغير في عمق الدماغ مسؤول عن رصد الخطر وإطلاق استجابة الخوف، بصورة مفرطة، بينما يتراجع دور التفكير العقلاني الهادئ الذي تقوده القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن التحليل واتخاذ القرار.
ولأن استجابة الخوف تبدأ من تنشيط الجهاز العصبي، فإن تهدئة الجسد تُعد خطوة أولى مهمة قبل معالجة الفكرة نفسها، ومن أبسط الوسائل لذلك تمارين التنفس البطيء:
تنفّس ببطء أربع ثوانٍ شهيقًا من الأنف، ثم احتفظ بالهواء لثانيتين، ثم أخرج الزفير ببطء خلال ست ثوانٍ من الفم، وكرر ذلك خمس مرات، خلال أقل من دقيقتين يبدأ الجسد بالاسترخاء وينخفض مستوى التوتر، فتهدئة الجسد تسبق تهدئة الفكرة، وعندما يهدأ الجسد يصبح العقل أكثر قدرة على التفكير الواقعي بدل الانجراف نحو السيناريوهات الكارثية.
هناك عدة عوامل تفسر شعور بعض الناس بأن الخطر موجه إليهم شخصيًا، من أبرزها تضخيم الحدث، والتمركز حول الذات، حيث يميل الفرد إلى تفسير الأحداث العامة وكأنها تستهدفه هو تحديدًا.
كما أن الشعور بالعجز قد يدفع العقل إلى توقع الكارثة كآلية دفاعية، فيتوهم أن الاستعداد النفسي للأسوأ قد يخفف من وقع الصدمة إن حدثت.
كذلك فإن التجارب السابقة المؤلمة، كمن عاش حربًا أو قصفًا، قد تعيد تنشيط الاستجابة القديمة ذاتها عند أي توتر جديد، فيتفاعل الجسد والعقل كما لو أن الخطر عاد فعلاً.
أما العلاج الأكثر فعالية لهذا النمط فهو العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy)، وهو أسلوب علاجي يقوم على فحص الفكرة بدل الاستسلام لها أو قمعها، يتعلم الشخص أن يسأل نفسه:
ما الدليل الواقعي على هذا التوقع؟
ما احتمال حدوثه فعلاً؟
هل توجد تفسيرات أخرى أكثر توازنًا؟
ومع التدريب، يمكن استبدال الفكرة المطلقة بفكرة واقعية تقر بوجود الخطر دون اعتباره حتميًا أو شخصيًا، كما أن تقنيات التنفس العميق، وتقليل متابعة الأخبار، وممارسة الحركة، والاهتمام بالعبادات أو التأمل، كلها وسائل تساعد على تهدئة الجهاز العصبي واستعادة قدر من الاتزان الداخلي.
التفكير الواقعي هو أن ننظر إلى الحدث بحجمه الحقيقي، دون تهويل أو إنكار، فنُقرّ بوجود الخطر لكن نقيسه بالأدلة والاحتمالات لا بالمخاوف.
أما التفكير الوقائي فيتجاوز مجرد التقدير إلى الفعل المتزن، فيدفعنا إلى اتخاذ احتياطات معقولة والالتزام بالإرشادات، من غير أن نعيش في حالة رعب دائم.
في المقابل، يقوم التفكير الكارثي على القفز مباشرة إلى أسوأ نتيجة وافتراض أنها حتمية الوقوع، مع شعور داخلي بأن المصيبة ستصيبنا نحن تحديدًا. الفارق بين هذه الأنماط قد يبدو دقيقًا، لكنه في الحقيقة يصنع فرقًا كبيرًا في راحة الإنسان النفسية وقدرته على الثبات في أوقات الاضطراب.
في زمن الاضطراب، يصبح الوعي النفسي نوعًا من الحماية، ويغدو ضبط التفكير شكلًا من أشكال الصمود، لذلك جاء هذا المقال ليكون مساهمة هادئة في تهدئة النفوس، وإعادة الأمور إلى حجمها الحقيقي، ومساعدة كل من يطالعه على أن يعيش الأحداث بوعيٍ لا بذعر، وبثباتٍ لا بانهيار، وأن يفرّق بين الخطر الحقيقي والخوف المتخيَّل، حتى تبقى العقول متزنة مهما اشتدت العواصف من حولها.
وفي النهاية، مهما اشتدت التحليلات، وتكاثرت الأخبار، وتتابعت الأحداث، فإن راحة القلوب وسكينتها الحقيقية ليست في متابعة كل تفصيل، ولا في استباق كل احتمال، بل في الصلة الصادقة بالله عز وجل، والثقة بوعده، والتسليم لحكمته.
قال سبحانه وتعالى:
﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: 51].
ويقول جلّ وعلا في المعنى نفسه:
﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۚ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11].
فما كُتب لنا سيأتينا، وما لم يُكتب علينا فلن يصل إلينا، ولو اجتمع عليه الخلق كلهم. والإيمان بهذا المعنى ليس مجرد كلمات تُقال، بل يقين يهدّئ القلب، ويكسر حدّة الخوف، ويعيد الأمور إلى ميزانها الصحيح.
وجاءت وصية نبينا الكريم ﷺ لابن عمه عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وهي من أعظم ما يُثبّت القلوب في أزمنة القلق، لما قال ﷺ له:
«يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ».
وفي الحديث الصحيح الآخر:
«عَجَبًا لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ؛ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».
هكذا يتوازن القلب: إيمانٌ يورث الطمأنينة، وعقلٌ يزن الأمور بوعي، وأخذٌ بالأسباب دون هلع، وتوكّلٌ صادق دون استسلام.
فإذا اضطربت الأخبار، فليثبت القلب، وإذا اشتدّت العواصف، فليطمئن اليقين، وإذا هاجمتك فكرة كارثية، فقل لنفسك:
أنا في حفظ الله، ولن يصيبني إلا ما كتب لي، وما عند الله خير وأبقى.
وبين الخطر والخوف، يبقى الإيمان هو المساحة الآمنة التي لا تصلها الصواريخ، ولا تهزّها الشائعات، ولا تعصف بها التحليلات.